محمد صادق الخاتون آبادي
73
كشف الحق ( الأربعون )
راحلتي ، وعكمته شديدا ، وحملت ، وصرت في متنه ، وأقبلت مجدّا في السّير حتّى وردت الشعب ، فإذا أنا بالفتى قائم ينادي : يا أبا الحسن ! إليّ . فما زلت نحوه ، فلمّا قربت بدأني بالسّلام ، وقال : سر بنا يا أخ . فما زال يحدّثني وأحدّثه حتّى تخرّقنا جبال عرفات ، وسرنا إلى جبال منى ، وانفجر الفجر الأوّل ونحن قد توسّطنا جبال الطائف ؛ فلمّا أن كان هناك أمرني بالنزول ، وقال لي : انزل فصلّ صلاة الليل . فصلّيت ، وأمرني بالوتر ، فأوترت ، وكانت فائدة منه ، ثمّ أمرني بالسجود ، والتعقيب ، ثمّ فرغ من صلاته وركب ؛ وأمرني بالركوب ، وسار ، وسرت معه حتّى علا ذروة الطائف ، فقال : هل ترى شيئا ؟ قلت : نعم ؛ أرى كثيب رمل عليه بيت شعر يتوقّد البيت نورا . فلمّا أن رأيته طابت نفسي ، فقال لي : هنّاك الأمل ، والرّجاء ؛ ثمّ قال : سر بنا يا أخ ، فسار ، وسرت بمسيره إلى أن انحدر من الذّروة ، وسار في أسفله ، فقال : انزل ، فها هنا يذلّ كلّ صعب ، ويخضع كلّ جبّار ، ثمّ قال : خلّ عن زمام النّاقة . قلت : فعلى من أخلّفها ؟ فقال : حرم القائم عليه السّلام ، لا يدخله إلّا مؤمن ، ولا يخرج منه إلّا مؤمن . فخلّيت عن زمام راحلتي ، وسار ، وسرت معه إلى أن دنا من باب الخباء ، فسبقني بالدّخول ، وأمرني أن أقف حتّى يخرج إليّ . ثمّ قال لي : أدخل هنّأك السلامة . فدخلت ، فإذا أنا به جالس قد اتّشح ببردة ، واتّزر بأخرى ، وقد كسر بردته على عاتقه ، وهو كأقحوانة أرجوان قد تكاثف عليها النّدى ، وأصابها ألم الهوى ، وإذا هو كغصن بان ، أو كقضيب ريحان ، سمح ، سخيّ ، تقيّ ، نقيّ ، ليس بالطويل الشامخ ، ولا بالقصير اللازق ، بل مربوع القامة ، مدوّر الهامة ، صلت الجبين ، أزّج الحاجبين ، أقنى الأنف ، سهل الخدّين ، على خدّه الأيمن خال كأنّه فتات مسك على رضراضة عنبر .